محمد بن جرير الطبري
414
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
بالأول . وقال : ألا ترى أنك ترى الكناية عن الأمر تصلح قبل الخبر ، فتقول للرجل : " اتق الله هو خير لك " ، أي : الاتقاء خير لك . وقال : ليس نصبه على إضمار " يكن " ، لأن ذلك يأتي بقياس يُبْطل هذا . ألا ترى أنك تقول : " اتق الله تكن محسنًا " ، ولا يجوز أن تقول : " اتق الله محسنًا " ، وأنت تضمر " كان " ، ولا يصلح أن تقول : " انصرنا أخانا " ، وأنت تريد : " تكن أخانا " ؟ ( 1 ) وزعم قائل هذا القول أنه لا يجيز ذلك إلا في " أفعل " خاصة ، ( 2 ) فتقول : " افعل هذا خيرًا لك " ، و " لا تفعل هذا خيرًا لك " ، و " أفضل لك " . ، ولا تقول : " صلاحًا لك " . وزعم أنه إنما قيل مع " أفعل " ، لأن " أفعل " يدل على أن هذا أصلح من ذلك . * * * وقال بعض نحويي البصرة : نصب " خيرًا " ، لأنه حين قال لهم : " آمنوا " ، أمرهم بما هو خيرٌ لهم ، فكأنه قال : اعملوا خيرًا لكم ، وكذلك : ( انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ) [ سورة النساء : 171 ] . قال : وهذا إنما يكون في الأمر والنهي خاصة ، ولا يكون في الخبر = لا تقول : " أن أنتهي خيرًا لي " ؟ ( 3 ) ولكن يرفع على كلامين ، لأن الأمر والنهي يضمر فيهما = فكأنك أخرجته من شيء إلى شيء ، لأنك حين قلت له : " انته " ، ( 4 ) كأنك قلت له : " اخرج من ذا ، وادخل في آخر " ، ( 5 ) واستشهد بقول الشاعر عمر بن أبي ربيعة :
--> ( 1 ) من أول قوله : " ألا ترى أنك ترى الكناية . . . " إلى هذا الموضع ، هو نص كلام الفراء في معاني القرآن 1 : 295 ، 296 . فظاهر إذن أن هذه مقالة الفراء ، ما قبل هذا ، وما بعده . إلا أني لم أجده في هذا الموضع من معاني القرآن ، فلعل أبا جعفر جمعه من كتابه في مواضع أخر ، عسى أن أهتدي إليها فأشير إليها بعد . ( 2 ) في المخطوطة : " أفعال خاصة " ، وهو خطأ ظاهر . ( 3 ) في المطبوعة : " أنا أنتهي " والصواب من المخطوطة . ( 4 ) في المطبوعة والمخطوطة : " اتقه " بالقاف ، والصواب " انته " ، لأن المثال قبله : " أن أنتهي خيرًا لي " . ( 5 ) في المخطوطة " وأخرج في آخر " ، خطأ ظاهر . وهذا القول الذي ذكره هو قول سيبويه في الكتاب 1 : 143 ، وبسط القول فيه ، واختصره أبو جعفر .